النظرات (الجزء الأول)المقدمة

المقدمة

المقدمة

يسألني كثيرٌ من الناس — كَشَأْنهم في سؤال الكُتَّاب والشعراء — كيف أكتب رسائلي؟ كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسلكها إليها فيسلكوها معي، وخيرٌ لهم ألَّا يفعلوا، فإني لا أحبُّ لهم ولا لأحدٍ من الشادِينَ في الأدب أن يكونوا مُقيَّدين في الكتابة بطريقتي، أو طريقة أحدٍ من الكُتَّاب غيري. وليعلموا — إن كانوا يعتقدون لي شيئًا من الفضل في هذا الأمر — أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل التي يعلمونها بهذا الأسلوب الذي يزعُمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلَّا لأني استطعت أن أتفلَّت من قيود التمثُّل والاحتذاء، وما نفعني في ذلك شيءٌ ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عليَّ، وعجزها عن أن تمسك إلَّا قليلًا من المقروءات التي كانت تمر بي، فلقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمالُ آثاره وروعة حسنه ورنةُ الطرب به.

وما أذكر أني نظرتُ في شيءٍ من ذلك لأَحْشُوَ به حافظتي، أو أستعينَ به على تهذيب بياني، أو تقويم لساني، أو تكثير مادة علمي باللغة والأدب، بل كل ما كان من أمري أنني كنت امرأً أحب الجمال وأفتتن به كلما رأيته في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مَغْرِب الشمس، أو هَجْعَةِ الليل، أو يَقَظةِ الفجر، أو قمم الجبال، أو سُفوح التِّلال، أو شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نَغْمة الغناء، أو رنَّة الحُدَاء، أو مجتمع الأطيار، أو منتثر الأزهار، أو رقة الحس، أو عذوبة النفس، أو بيت الشعر، أو قطعة النثر. فكنت أَمُرُّ بروض البيان مَرًّا، فإذا لاحت لي زهرةٌ جميلة بين أزهاره تتألق في غصن زاهر بين أغصانه، وقفت بين يديها وقفة المعجب بها، الحاني عليها، المستهتر بحسن تكوينها وإشراق منظرها، من حيث لا أريد اقتطافَها أو إزعاجَها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد عَلِقَتْ بنفسي صورتها إلى أخرى غيرها.

وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفسٍ تطير سرورًا به، وتسيل وجدًا عليه، وما هو إلَّا أنْ درت ببعض تلك الرياض بعض دَورات، ووقفت على أزهارها بعض وقفات، حتى شعرت أن قد بُدِّلْتُ بنفسي نفسًا غيرها، وأنَّ بين جنبيَّ حالًا غريبة لا عهدَ لي بمثلها من قبل، فأصبحت أرى الأشياء بعينٍ غير التي كنت أراها بها، وأرى فيها من المعاني الغريبة المؤثرة ما يملأ العين حُسنًا، والنفس بهجةً.

فقد كنت أرى الناس فرأيت نفوسهم، وأرى الجمال فرأيت لُبَّه وجوهرَه، وأرى الخير فرأيت حُسْنَه، وأرى الشر فرأيت قبحه، وأرى النعماء فرأيت ابتساماتها، وأرى البأساء فرأيت مدامعها، وأرى العيون فرأيت السحر الكامن في محاجرها، وأرى الثغور فرأيت الخمر المترقرقة بين ثناياها.

وكنت أرى الشمس فرأيت خيوطها الفضيةَ الهفافةَ بين السماء والأرض، وأرى القمر فرأيت شعاعَه كأنما يَهُمُّ أن ينبسط حتى يفيض عن جوانبه فيضًا، وأرى الفجر فرأيت بياضه وهو يَدِبُّ في تجاليد الظلام دبيبَ المشيب في تجاليد الشباب، وأرى النجوم فرأيت عيونَها الذهبية تُطلُّ على الكون من فروج قميص الليل، وأرى الليل فرأيته وهو يهوي بأجنحته السوداء إلى الأرض هُوِيَّ الكرى إلى الأجفان.

وكنت أسمع خريرَ المياه فسمعت مناجاتَها، وحفيفَ الأوراق ففهمت نغماتِها، وتغريدَ الأطيار فعرفت لغاتها؛ فأحببت الأدب حبًّا جمًّا ملأ ما بين جَانِحَتَيَّ، فلم تكن ساعةٌ من الساعات أحبَّ إليَّ ولا آثر عندي من ساعةٍ أخلو فيها بنفسي، وأمسك عليَّ بابي ثم أسلم نفسي إلى كتابي، فَيُخَيَّلُ إليَّ كأني قد انتقلت من هذا العالم الذي أنا فيه إلى عالمٍ آخر من عوالم التاريخ الغابر، فأشاهدُ بعينيَّ تلك العصور الجميلة، عصور العربية الأولى، وأرى العرب في جاهليتها بين خيامها وأخبيتها، وأطنابها، وأعوادها، وإبلها وشائها، وشيحها وقيصومها، وأرى مساجلاتها ومنافراتها، وحبها وغرامها، وعفتها ووفاءها، وصبرها وبلاءها، وحُدَاءَها وغِناءَها، وأسواق شعرائها، وموقف خطبائها، وفقرَها وإقلالَها، وشحوبَ وجوهها، وسُمْرَة ألوانها، وَضَوَى أجسامها، وترددها في بَيْدائها بين حمارَّة القيظ وصبارَّة البرد، وتنقلها من صحراء إلى ريفٍ، ومن مَشْتًى إلى مصيفٍ، ومن نجدٍ إلى وَهْد، ومن شرفٍ إلى غور، وانتجاعها مواقع الغيث، ومنابت العشب، وقناعتها من الطعام بأحفان التمر، وقعاب اللبن وأُصُوع الشعير، فإذا جَدَّ الجِدُّ أكلَتِ القِدَّ واشتوتِ الجلدَ، وتبلَّعت بالضَّبِّ واليربوع وعراقيب الآبال، وأظلاف الأبقار، واكتفاءها من اللباس بأكسية الكرابيس وأردية الأشعار، وقُمْص الأوبار، فإذا أعوزها ذلك لبست الظل، وافترشت الرمل، غير ناقمةٍ ولا ساخطة ولا متبرِّمةٍ بقضاء الله وقدره في قسمة أرزاقه بين عباده، ولا باكيةٍ حظها من رخاء العيش ولينه.

ثم أراها بعد ذلك وقد أنعم الله عليها بنعمة المدنيَّة الإسلامية، فأرى رَغَد عيشها، ولين طعامها، واعشوشاب جانبها، وعذوبة مواردها ومصادرها، وسرورها وغبطتها بما أفاء الله عليها من ذخائر الفرس وأعلاق الروم، وامتلاء قصورها باللؤلؤ المنظوم من القِيان، واللؤلؤ المنثور من الوِلْدَان.

وأرى مجالس غنائها، ومجامع أنسها، ومسارح لهوها، ومجاملات سبقها، وملاعب جيادها، ومذاهب طرائدها، ومواقف حَجِّها، وازدحام شعرائها على أبواب أمرائها، وجوائز أمرائها في أيدي شعرائها، وانطلاق ألسنتها بوصف ما تشاء من الأعواد والبرابط والمعازف والمزاهر، والأقداح والدِّنان، والموائد والصحف، وألوان الطعام؛ حُلْوِهِ وحامضه، وأصناف الشَّراب؛ حلالِهِ وحرامِهِ، والطيور المحلقة في الأجواء، والسفن الذَّاهبة في الدَّأماء، والرياض الخضراء، والغابات الشجراء، والقصور وتماثيلها، والبحيرات وأسماكها، والأنهار وشواطئها، والأزهار ونفحاتها، والغيوث وقطراتها، ودبيب الحُبِّ في القلب، والغناء في السمع، والصهباء في الأعضاء، وخلجة الشك، ولمحة الفكر، وبارقة المنى.

ثم لا أشاء أن أرى بين هذا وذاك خُلُقًا عذبًا، أو أدبًا غضًّا، أو حبًّا وفيًّا، أو مُجونًا مستظرَفًا، أو جوارًا مستملحًا، إلا وجدته، ولا أن أسمع ما تهتف به العاتق في خدرها، وما يحدو به الحادي في أعقاب إبله، وما يتغنى به العاشق، وما يهذي به الشارب، وما يترنم به الشادي، وما يساجل به الماتح إلا سمِعْتُهُ، ولا أنْ أعلم ما يهجسُ في نفس المحب إذا اشتمل عليه ليلُه، والحائر إذا ضل به سبيله، والثاكل إذا فُجعت بواحدها، والموتور إذا حيل بينه وبين واتره، والكريم إذا لاح له منظرٌ من مناظر البؤس والشقاء، والغريب في دارِ غربته، والسجين بين جدران سجنه، والخائف إذا وقف بين الرضا والغضب، والمُقدَّمِ للقتل إذا وقف بين الرجاء واليأس، والبائس إذا أعوزه القوتُ، واليائس إذا أعوزه الموتُ، والعزيز إذا ذَلَّ، والمشرفِ إذا هوى، والشريف إذا عبث بشرفه عابثٌ، والغيور إذا لمس عرضه لامسٌ، إلا علمتُهُ. ولا أن أعرف خلق الدهر في تنقُّلِه بالناس، ما بين رفعٍ وخفضٍ، وجدَةٍ وفقرٍ، ونعيم وبؤس، وإقبال وإدبار، ولا أثر يده السوداء في خراب القصور، وخلاء الدور، وإقفار المغاني، وتصويح الرياض، إلا عرفته.

فكنت أجد في نفسي من اللذة والغبطة بذلك كله ما لا يقوم به عندي كل ما ينعم به الناعمون من رغدٍ في العيش ورخاء، حتى ظننت أنَّ الله سبحانه وتعالى قد صنع لي في هذا الأمر، وأنه لما علم أنه لم يَكتب لي في لوح مقاديره ما كَتب للسعداء والمجدودين من عباده من مالٍ أو جاهٍ أعيش في ظله، وأنعم بثمرته، زخرفَ لي هذا الجمال الخياليَّ البريء من الريبة والإثم، وزوَّره لي تزويرًا بديعًا، ووضع لي فيه من الملاذِّ والمحاسن ما لم يضع لغيري، رحمةً لي وإرعاءً عليَّ أن أهلك أو يهلك لُبِّي بين اليأس القاتل، والرجاء الكاذب. وهكذا لا أزال مُحَلِّقًا في هذا الجو البديع من الخيال، أضحك مرةً وأكتئب أخرى، وأتغنى حينًا، وأبكي أحيانًا حتى يرميني الباب ببعض الطارقين أو يستعيد إليَّ نفسي مُستعيدٌ.

ولم يكن حولي لذلك العهد ممن يستعين بمثلهم مِثْلِي على الأدب أحد؛ لأنني كنت أعيش في مفتتح عهدي به — ولم أكن زاهمت إذ ذاك الثالثة عشرة من عمري — بين أشياخ أزهريين من الطراز القديم، لا يرون رأيي فيه، ولا يتعلقون منه بما أتعلق، فكانوا يرون أنَّ التوفُّر عليه أو الإلمامَ به عملٌ من أعمال البطالة والعبث، وفتنةٌ من فتن الشيطان، فكان الذين يتولَّون أمري منهم لا يزالون يحولون بيني وبينه، كما يحول الأب بين ولده وبين ما يعرض له من فتن الهوى ونزغات الصبوة، ضنًّا بي، أن أنفق ساعة من ساعات دراستي بين لهو الحياة ولعبها، فكنت لا أستطيع أن أُلِمَّ بكتابي إلا في الساعة التي آمن فيها على نفسي أن يُلمُّوا بأمري، وقليلًا ما كنت أجدها، وكثيرًا ما كانوا يهجمون مني على ما لا يحبون، فإذا عثروا في حقيبتي، أو تحت وسادتي، أو بين لفائف ثوبي، على ديوان شعرٍ أو كتاب أدبٍ خُيِّل إليهم أنهم قد ظفروا بالدينار في حقيبة السارق، أو الزجاجة في جيب الغلام، أو العشيق في خدر الفتاة، فأجد من البلاء بهم، والغَصص بمكانهم، ما لا يحتمل مثلَه مثلي، وهم لا يعلمون — أحسن الله إليهم — أنهم وجميع من يدور به جدار مسجدهم حسنةٌ من حسنات الأدب الذين ينقمون منه ما ينقمون، ويدٌ من أياديه البيضاء على هذا المجتمع البشريِّ.

فلولا الأدب ما استطاع أئمتهم المجتهدون فَهْم آيات الكتاب المنزَّل، ولا استنباط تلك الأحكام التي دونوها لهم وتركوها بين أيديهم يستغلونها كما يستغل المالك ضيعته، ويعيشون في ظلها عيش السعداء المُتْرَفين. ولولاه ما استطاع علماؤهم اللغويون أن يُوَرِّثُوهم هذه العلوم اللغوية، التي يدرِّسون اليوم نحوَها وتصريفها وبيانها ومعانيَها في مجالس علمهم، ويدلون بمكانهم منها على الناس جميعًا.

كما لا يعلمون أنَّ الأدب هو خير ما يستعين به متعلمٌ على علمٍ، وأنَّ الذوق الأدبيَّ الذي يستفيده المتأدب من دراسة الأدب ومزاولته هو الميزان الذي يزنُ به ويحاول فهمه من عبارات العلوم وأساليبها، والدليل الذي يَتَسَمَّتُهُ ويَتَرَسَّم مواقع أقدامه في فهم أصول الدين؛ ليكون مجتهدًا إن استطاع، أو واقفًا على منازع المجتهدين، واللسان الذي يستعين به على الإفضاء بأدق أغراضه وأعمقها وأقصاها مكانًا من قلبه، ليكون إنسانًا ناطقًا، ومعلمًا نافعًا. ولو أنَّ هؤلاء الزارين على الأدب من علماء الدين وشيوخه — وهم اليوم والحمد لله قليلٌ، بل هم في طريق الفناء والانقراض — قد تعلقوا منه بما كان يتعلق به أسلافهم وأئمتهم من قبل، لنالوا به في دينهم خيرًا كثيرًا، ولاسْتَدْفعوا به عن أنفسهم في أمره شرًّا عظيمًا، فما زال الدين واضحَ المنهج قائمَ الحجة، وما زالت آيات الكتاب ومتونُ الأحاديث سائغةً هنيئةً، لا يلحقها الريب ولا يحيط بها الشك، ولا تطير بجنباتها الأوهام والظنون، حتى جهل علماءُ الدين الأدبَ، ففسدت أذواقهم، وضلَّت أفهامهم، فكثر بينهم التأويل والتخريج، ووهت تلك العقدة الوثيقة بين الألفاظ والمعاني، واسترخت عراها من أيديهم، فأصبح كلُّ لفظٍ في نظرهم محتملًا لكلِّ معنى حتى ما يأبى أحدهما على الآخر شيئًا، وتهافت ذلك الحاجز الحصين الذي كان قائمًا بين الحقيقة والمجاز، والحقيقة والخيال، فبغى بعض الكلم على بعض، وعاث كلٌّ منهما في تربة صاحبه إقبالًا وإدبارًا، وجيئةً وذهوبًا، وصعودًا ونزولًا، فاستطاع الواغلون في الدين والناصبون له أن يُدخلوا عليه الأحاديث المنحولة الغريبة في أساليبها عن مناهج العرب ومناحيهم ما لا يضبطه الحسابُ كثرةً، فهلكت الأمة بين هذا وذاك هُلكًا لا تزال تتجرع كأسه المريرة حتى اليوم.

فالحمد لله أولًا وللأدب ثانيًا على نجاتي منهم فيما كانوا يرومون بي، ويحاولون مني، بل أحمدُ الله إليهم كذلك، فقد كُفيت بهم — وبسوء رأيهم في الأدب ونقمتهم عليه — شرَّ من يدخل بيني وبين نفسي في المفاضلة بين شاعرٍ وشاعر، وكاتبٍ وكاتب، أو الموازنة بين أسلوبٍ وأسلوب، وديباجةٍ وأخرى، فلم يكن لي عونٌ على ذلك كله غير شعور نفسي، وخفوق قلبي خفقة السرور أو الألم، إن مرَّ بي ما أحب أو ما أكره من حسنات القول أو سيئاته، من حيث لا أعرف سبيل ذلك ومأتاه، فكان شأني في ذلك شأنَ السامع الطروب، الذي تطربه نغمةٌ وتزعجه أخرى، فيطير بالأولى فرحًا وبالثانية جزعًا، وقد يكون ضعيف الإلمام بضروب الإيقاع وقواعد النغم، فكنت لا أقرأ إلا ما أفهمُ، ولا أفهم إلا ما أشعر أنه قد خرج من فم قائله خروج السهم من القوس، فإذا هو في كبد الرَّمِيَّةِ ولُبِّها، فإن رأيت أنَّ المعنى قد قام دونه ستارٌ من التراكيب المتعاظلة، والأساليب الملتوية، علمت أنَّ القائل إما ضعيف المادَّة اللغوية فهو يعجز عن الإفضاء بما في نفسه؛ لأنه لا يعرف كيف يفضي به، وإما جاهلٌ لم يستو له المعنى الذي يريده كلَّ الاستواء، ولم يدر في جوانب نفسه حتى يستقر في قرارةٍ منها، فهو يتخيله تخيلًا ويجمجمه ويهذي به هذيانًا فلا سبيل له إلى الإفصاح عنه، وإما داهيةٌ محتالٌ قد علم أنَّ المعنى الذي يجول في نفسه، ويشتمل عليه خاطره تافه مَرْذُولٌ، وكان لا بد له أن ينفِّقه على الناس ويزخرفه لهم ويزوِّره في أعينهم، فهو يكسوه أسلوبًا غامضًا؛ ليُكدَّهم ويجهدهم في سبيله، حتى إذا ظفروا به بعد ذلك خُيِّلَ إليهم أنهم قد ظفروا بمعنى غريبٍ، أو خاطرٍ بديعٍ، ووجدوا فيه — عند الوصول إليه — من اللذة والمتعة ما يجدُ الظامئ في ضحضاح الماء الكدر إذا أبعد النُّجْعَةَ في طلبه، ووصل إليه بعد الجَهد والإشفاء.

وإما عاجزٌ ضعيف القوة النفسية، قد علم أنَّ ضعفاء الأفهام من الناس — وهم سواد الأمة ودَهْمَاؤُهَا — لا يرضَون عن معنًى من المعاني، ولا يَسْتَسْنُونَ قيمته، ولا يقيمون له وزنًا، إلا إذا جاءهم في جلدةٍ من الألفاظ المتكرِّسة المتقبِّضة. وأنهم إذا ورد عليهم أثمن المعاني وأغلاها، وأكرمها جوهرًا، وأطيبها عنصرًا، في ثوبٍ من الأساليب الرقيقة الشفافة، ذهب بهم الوهم إلى أنه ما جاءهم على هذه الصورة إلا لأنه ساقطٌ مُبْتَذَلٌ، أو سوقيٌّ مطروق، فاحتقروه وازدروه، وكان يرى — لضعف حيلته وسقوط همته — أنْ لا بدَّ له من موافاة رغبتهم، وبلوغ رضاهم، والنزول على حكمهم، فتجمَّل لهم باللُّكنة والعِيِّ، وتملَّقهم بالغموض والإبهام.

وإما أعجميٌّ يظن أنَّ اللغة العربية حروفٌ وكلماتٌ، وهو لا يعرف منها غيرهما، فينطق بشيءٍ هو أشبه الأشياء بما يترجمه بعض المترجمين من اللغات الأعجمية ترجمةً حرفية، فإن نَعيْتَ عليه غرابة أسلوبه واستعجامه والتواءه على الفهم، كان مبلغ ما ينضح به عن نفسه أنَّ المعاني العصرية والخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها الأكسية البدوية والأردية العربية، كأنما هو يظن أنَّ المعاني والخواطر خططٌ وأقسامٌ، وبقاعٌ وضياع، هذا للشرق وهذا للغرب، وهذا للعرب وهذا للعجم. أما الحقيقة التي لا ريب فيها فهي أنَّ الرجل لا ينتزع تلك المعاني من قرارة نفسه، ولا يصوِّرُ فيها صورة عَقْلِهِ، وإنما هو مترجمٌ قد عثر بتلك المعاني في اللغة الأعجمية التي يعرفها، لاصقةً بأثوابها الأصلية، فلما أراد أن يُفضي بها إلى العرب — وكان غير مضطلع بلغتهم ولا متمكن من أساليبهم — عجز عن أن ينزع عنها أثوابها اللاصقة بها، فنقلها إليهم كما هي إلا ما كان من تبديل حرفٍ بحرف، أو كلمةٍ بأخرى، من حيث يُظن أنه يهتف بشيءٍ قام في نفسه، أو يُفضي بخاطرٍ من خَواطِرِ قلبه.

وإما شحيحٌ يأبى له لؤم نفسه وخبث فطرته أن يمنح الناس منحته سائغةً هنيئةً دون أن يكدِّرها عليهم بالمطل والتسويف، والممانعة والمحاولة. والشُّحُّ خلقٌ إذا نزل منزله من نفس صاحبه أقام من نفسه حارسًا يقظًا على كل حاسَّةٍ من حواسِّه الباطنة والظاهرة، حتى لا يجد فيه واجدٌ مصطنعًا، ولا يظفر منه معتصرٌ ببلةٍ، فَيَضنُّ بعلمه كما يَضنُّ بماله، ويقبض لسانه عن النطق، كما يقبض يده عن الإنفاق، ويصرِّد عطاءه تصريدًا ليستديم به حاجة الناس إليه، كما يجيع كلبه ليتبعه، ولعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على العجزة والجاهلين، والمحتالين والكاذبين، والأشحاء والباخلين.

وكان أشعر الشعراء عندي وأكتب الكُتَّابِ — سواءٌ في ذلك المتقدِّمُ والمتأخِّرُ، والنابه والخامل — أوصفهم لحالات نفسه أو أثر مشاهد الكون فيها، وأقدرهم على تمثيل ذلك وتصويره للناس تصويرًا صحيحًا، كأنما هو يعرضه على أنظارهم عرضًا، أو يضعه في أيديهم وضعًا، فإن ظننتُ أنَّ القائل كاذبٌ فيما يقول، أو أنه يرسُم صورةً غير الصورة التي تتلجلج في نفسه، أو أنه لغويٌّ يفرُّ من ضعف أسلوبه وفساد نظمه إلى أكمة من الألفاظ الغريبة، والتراكيب المُسْتَوْعِرَةِ يكمن وراءها، أو ناقلٌ يتخذ الكتابة حقيبةً يحشوها بالمسائل العلمية أو الوقائع التاريخية حشوًا، أو مترجمٌ ينقُل عن اللغة الأعجمية التي يعرفها آراء علمائها وخيالات شعرائها، وكأنما هو صاحبها، أو شعرت أنه قد مَرَّ بخاطره وهو ينطق بكلمته أن يكون بليغًا فيها أو مبدعًا ليُعَجِّبَ الناسَ منها، كان كلُّ حظه مِنِّي أن أعرف له قدرَه في العلم، ومنزلته من الذكاء والفهم إن أحسن فيما يقول، ولكنني لا أعده كاتبًا ولا شاعرًا؛ لذلك كان أغزل الغزل عندي غزل العاشقين، وأفضل الرثاء رثاء الثاكلين، وأشرف المدح مدح الشاكرين، وخير العظات عظات المخلصين، وأجمل البكاء بكاء المنكوبين، وأحسن الهجاء هجاء الصادقين، وأبرع الوصف وصف الرائين المشاهدين.

ولا أدري ما الذي كان يُعجبني في مطالعاتي من شعر الهموم والأحزان، ومواقف البؤس والشقاء، وقصص المحزونين والمنكوبين خاصةً، فقد كان يُعجبني كُلَّ العجب ويبكيني أحرَّ البكاء وأشجاه شقاء المهلهل في الطلب بثأر أخيه، وشقاء امرئ القيس في الطلب بثأر أبيه، وبكاء جليلة أخت جساس على زوجها وأخيها، وبكاء عدي بن زيد على نفسه في سجن النعمان، وبكاء متمم بن نويرة على أخيه مالك حتى دمعت عينه العوراء، وبكاء ليلى بنت طريف على أخيها الوليد، وهيام أم حكيم زوج عبيد الله بن العباس في المواقف والمواسم تنشد طفليها الذبيحين، وبكاء الشريف على المناذِرَة في خرائب الحيرة، وبكاءُ أبي عبادة على الأكاسرة في خرائب المدائن، وبكاء الرضِيِّ على بني هاشم، وبكاءُ العَبلي على بني أمية، وبكاءُ الرقاشي على بني برمك، وذل أبي فراسٍ في أسره، والمُعْتَمِد بن عبَّاد في سجنه، وبكاءُ الوزير ابن زيدون على نفسه مرَّةً وعلى وَلَّادة أخرى، وبكاء ابن مناذر على عبد المجيد، والبحتري على المتوكل، وابن اللبانة على ابن عباد، والتيمي على يزيد بن مزيد، ومروان بن حفصة على معن بن زائدة، وجنون المجنون بليلاه، وجلوسه في جنبات الحي منفردًا عاريًا، مذهوب اللب، مشترَك العقل، يهذي ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب، ثم هيامه بعد ذلك مع الوحش في البرِّيَّة لا يأكل إلا ما ينبت فيها من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وراحته إلى الطريق يصعد مع مُصعديه، وينحدر مع مُنحدريه، حتى هلك في أرض مُقْشَعِرَّة مغبَّرة بين الصُّخور والأحْجار.

وشقاء قيس لبنى بِلُبْناهُ بعد أن طلقها برًّا بوالده ونزولًا على حكمه، وذَهاب الحب به بعد ذلك كل مذهب، حتى هلك بين الوفاء للفضيلة والوفاء للحب، وموقف جميل بن معمر بين يدي أبيه وهو يعتب عليه أشد العتب وأمرَّه في استهتاره بحب بثينة، ومخاطرته بنفسه في الإلمام بحبها فيقول: «يا أبت هل رأيت قبلي أحدًا قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن يسلِّي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قُضي به عليه؟ والله لو قدرت أنْ أمحو ذكرها من قلبي، أو أزيل شخصها من عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاءٌ بليت به لحينٍ قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو متُّ كمدًا، وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه.»

وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع قيس بن عاصم يُحَدِّثُ عن نفسه أنه كان يئد بناته في الجاهلية، وأنَّ واحدةً منهن ولدتها أمها وهو في سفرٍ فدفعتها إلى أخوالها؛ ضنًّا بها على الموت، وإشفاقًا عليها، فلما عاد وسألها عن الحمل قالت له: إنها ولدت مولودًا ميتًا، ثم مضت على ذلك سنون عدةٌ حتى كبرت البنت ويفعت، فزارت أمها ذات يوم فرآها عندها، فأعجب بجمالها وذكائها، وسألها عنها، فحدثته حديثها على وجهه ولم تكتمه شيئًا منه؛ طمعًا في أن يضمها إليه ويمنحها رحمته وعطفه، فأمسك عنها أيامًا، ثم تغفل أمها عنها ذات يوم وخرج بها إلى الصحراء حتى أبعد، فاحتفر لها حفرةً وجعلها فيها، فجلعت تقول: «يا أبت ما تريد أن تصنع بي؟ وما هذا الذي تفعل؟» وهو يهيل عليها التراب ولا يلتفت إليها، وهي تئن وتقول: «أتاركي أنت يا أبت وحدي في هذا المكان ومنصرفٌ عني؟» حتى واراها وانقطع أنينها.

وبكاء الأعرابية التي مات منها ولدُها في دار غربةٍ فدفنته، ثم وقفت على قبره تودعه وتقول: «والله يا بني لقد غذوتك رضيعًا، وفقدتك سريعًا، وكأن لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها، فأصبحتَ بعد الغضارة والنضارة، ورونق الحياة والتنسم بطيب روائحها تحت أطباق الثرى، جسدًا هامدًا، ورفاتًا سحيقًا، وصعيدًا جرزًا، اللهم إنك قد وهبته لي قرة عين فلم تمتعني به كثيرًا، بل سلبتنيه وشيكًا، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدَّقت وعدك، ورضيت قضاءك، فارحم اللهم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته يوم تنكشف الهنات والسوآت. وا ثُكْلَ الوالدات! ما أمضَّ حرارةَ قلوبهن، وأقلقَ مضاجعهن، وأطولَ ليلهن، وأقلَّ أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، وأقربهن من الأحزان!»

وشقاء ذينك البائسين المنكوبين عروةَ بن حزام وعفراءَ بنت عقال، ومناصبة الدهر لهما وانقطاع سبيله بهما، حتى أصبحت زوجًا لغيره، وأصبح من بعدها هائمًا مختبلًا، يرمي بنفسه المرامي، ويقذف بها في فجاج الأرض ومخارمها، حتى بلغ منزلها ذات يوم، فتنكر حتى زارها وهو يظن أنَّ زوجها لا يعلم من أمره إلا أنه أحد الأضياف الغرباء، فلما علم أنه يعرف حقيقة أمره، وأنه على ذلك لا يتهمه ولا يتنكر له عزم على الانصراف حياءً منه، وقال لها: «يا عفراء، أنت حظي من الدنيا وقد ذهبتِ فذهبت دنياي بذَهابك، فما قيمة العيش من بعدك؟ وقد أجمل هذا الرجل عشرتي واحتمل لي ما لا يحتمله أحدٌ لأحد حتى استحييت منه، وإني راحلٌ من هذا المكان، وإني عالمٌ أني أرحل إلى منيَّتي!» وما زال يبكي وتبكي حتى انصرف، فلمَّا رحل نُكس بعد صلاحه وتماسكه، وأصابه غشيٌ وخفقان، فكان كلما أغمي عليه أُلقي على وجهه خمارٌ لعفراء كانت زودته إياه، فيفيق حتى بلغ حيَّه، وأمسك عامًا كاملًا لا يسمع منه سامعٌ كلمةً ولا أنةً، حتى بلغ منه اليأس فسقط مريضًا، فمرَّ به بعض الناس فرآه ملقًى بجانب خبائه، فسأله عمَّا به فوضع يده على صدره وقال:

كأن قطاةً عَلِقَتْ بجناحها على كبدي من شِدَّة الخفقان

ثم شهق شهقةً كانت نفسُه فيها، فلما بلغ عفراء خبرُه قامت إلى زوجها، وقالت له: «قد كان من خبر ابن عمي ما كان، وقد مات فيَّ وبسببي ولا بد أنْ أندبه وأقيم مأتمًا عليه.» فقال: «افعلي.» فما زالت تندبه ثلاثًا حتى ماتت في اليوم الرابع!

وشقاء سعد الوراق بحب عيسى النصراني حينما علم أنَّ أهله قد بنوا له دَيرًا بنواحي الرَّقَّة ليترهب فيه ويحتجب عن الناس، فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأحرق بيته وفارق أهله وإخوانه، ولزم صحراء الدير عله يجد السبيل إلى الوصول إليه، فامتنع عليه ذلك بعدما ذلَّ للرُّهبان وتخضع لهم، وتأتي لهم بكل سبيل فلم يُجْدِه ذلك شيئًا، فصار إلى الجنون وخرَّق ثيابه وأصبح عريان هائمًا، لا شأن له إلا أن يقف بكل طائرٍ يراه على شجرة فيناشده الله أن يبلغ رسائله إلى عيسى، حتى رآه بعض الناس في بعض الأيام ميتًا إلى جانب الدير.

وأمثال ذلك من مواقف البؤس ومصارع الشقاء، كأنما كنت أرى أنَّ الدموع مظهر الرحمة في نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أنَّ الحياة موطن البؤس والشقاء، ومستقرُّ الآلام والأحزان، وأنَّ الباكين هم أصدق الناس حديثًا عنها، وتصويرًا لها، فلما أحببت الصدق أحببت البكاء لأجله، أو كأنما كنت أرى أنَّ بين حياتي وحياة أولئك البائسين المنكوبين شبهًا قريبًا وسببًا متصلًا، فأنست بهم وطربت بنواحهم طرب المحب بنوح الحمائم، وبكاء الغمائم، أو كأنما كنت في حاجة إلى بعض قطرات من الدمع أتفرَّج بها مما أنا فيه، فلما بكى الباكون وبكيت لبكائهم وجدت في مدامعهم شفاء نفسي، وسكون لوعتي، أو كأنما كنت أرى أنَّ جمال العالم كله في الشعر، وأنَّ الشعر هو ما تفجر من صدوع الأفئدة الكليمة فجرى من عيون الباكين مع مدامعهم، وصعد من صدورهم مع زفراتهم.

تلك أيامي التي سعدت بها برهةً من الدهر، ومرَّ لي فيها أحسن ما مرَّ لأحدٍ، والتي لا أزال أذكرها بعد مرور تلك الأعوام الطوال، فأكاد أشرق بدمعي لذكراها، ثم انثنيت فوجدت يدي صفرًا منها، وإذا أنا بين يدي هذا العالم المظلم المقشعر؛ عالم الحقيقة والألم، فنظرت إليه نظر الغريب الحائر إلى بلدٍ لا عهد له به ولا سكن له فيه، فرأيت مخازيه وشروره وظلمة أجوائه، واغبرار سمائه، وقتال الناس بعضهم بعضًا على الذَّرَّة والحبَّة، والنسمة والهبوة، واتساع مسافة الخلف بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وسلطان القوة على الحق، وغلبة الجهل على العلم، وإقفار القلوب من الرحمة، وجمود العيون عن البكاء، وعجز الفقراء عن فتات موائد الأغنياء، وتمضغ الأغنياء بلحوم الفقراء.

ورأيت الترائي بالرذيلة حتى ادعاها لنفسه وأنحلها إياها من لا يتخلق بها طلبًا لرضا الناس عنه برضاه عنها، ورأيت البراءة من الفضيلة حتى فر بها صاحبها من وجوه الساخرين به والناقمين عليه فرار العاري بسوأته، والموسوم بخزيته.

ورأيت الرجل والمرأة وقد سرا كلٌّ منهما ثوبه عن جسمه وألقاه بين يديه، ثم تقايضا فلبست قباءَهُ ولبس غلالتها، فأصبح امرأةً لها من النساء التكسر والتبرد، وأصبحتْ رجلًا له من الرجال التوقح والتشطُّر.

ورأيت الدين — وهو دوحة السلام الخضراء التي يستظل بها الضاحون من لفحات الحياة وزفراتها — قد استحال في أيدي الناس إلى سهامٍ مسمومةٍ يحاول كلٌّ منهم أن يصيب بها كبد أخيه فلا يخطئها.

ورأيت ضلال الأسماء عن مسمياتها، وحيرة مسمياتها بينها، واضطراب الحدود والتعاريف عن أماكنها ومواقفها، حتى دخل فيها ما لم يكن داخلًا، وخرج منها ما لم يكن خارجًا، فَسُمِّيَ الشُّحُّ اقتصادًا، والكرم إسرافًا، والحِلْمُ جبنًا، والسَّمَاجَةُ جرأةً، والسفاهة براعةً، والفجور فتوةً، والتبذل حرية. واشتبهت طرق الفضيلة ومسالكُها على من يريد ركوبها؛ لأنه يجد على رأس كل واحدةٍ منها زعيمًا من زعماء الخديعة والكذب يصرفه عنها إلى غيرها.

وكنت أرى أنَّ الأدب حالٌ قائمة بالنفس، تمنع صاحبها أن يُقْدِمَ على شر أو يحدِّث نفسه به، أو يكون عونًا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوةٌ من شهوات النفس أو نزوة من نزواتها وجد في نفسه عند غشيانه ومخالطته من المضض والارتماض ما ينغص عليه عيشه، ويقلق مضجعه، ويطيل سهده وألمه، فإذا هو صورةٌ من صور الجوارح، وعَرَضٌ من أعراض الجسم لا دخل له في جوهر النفس، ولا علاقةَ بينه وبين الحس والوجدان.

فأكثر الناس عند الناس أدبًا، وأقومُهم خلقًا، وأطهرهم نفسًا، من لا يفي على شرط أنْ يعد، ومن يكذب على أنْ يكون كذبه سائغًا مهذبًا، ومن يملأ صدره موجدةً وحقدًا على أن يكون بسَّامًا ضحوك السن، ومن يسرق على أنْ يستطيع العبث بمواد القانون وخداع القضاة عنها، ومن يبغض الناس جميعًا بقلبه على أن يحبهم جميعًا بلسانه، ومن يحفظ تلك المصطلحات اللفظية، وتلك الصور الجافة من الحركات الجسمية التي تواضع عليها المتكلفون في الزيارة والاستزارة، والهناء، والعزاء، والمؤاكلة والمنادمة، وأمثال ذلك مما يرجع العلم به غالبًا إلى صغر النفس وإسفافها أكثر مما يرجع إلى علومها وكمالها، فداخلني من ذلك همٌّ عظيم لم أستطع أن أملك نفسي معه، كأنما خُيِّلَ إليَّ — لقرب عهدي بما أرى — أنني أرى شيئًا عجيبًا، أو منظرًا غريبًا، أو كأنما كنت أحسب أنَّ عالم الخيال الذي كنت فيه إنما هو صورةٌ صحيحةٌ لعالم الحقيقة الذي أنتقل إليه، فأزعجني ما رأيت من هذا الاختلاف العظيم بينهما، فأرسلت الكلمة إثر الكلمة كما يتنفس المتنفس أو يئن الحزين، فرأى ذلك بعض الناس فسمَّوا ما رأوه كلامًا، ثم ما زالوا يستحسنون ما أقول ويغرونني بأمثاله، وما زلت أطمع فيهم وأرجو أن أصيب ما في نفوسهم حتى رأيتني كاتبًا.

ولقد كان لهذا الأدب الذي توليت نفسي به أثرٌ باقٍ عندي إلى هذه الساعة التي أكتب فيها رسالتي هذه، فإني لا أحسن حتى اليوم أن أكتب كلمة يُفْضِي بها إليَّ غيري، أو أعبر عن معنًى لا يقوم بنفسي، أو أبكي على من لا يحزنني فراقه، أو أندُب من لا يَفجعني موته، أو أستنكر ما أستحسن، أو أستحسن ما أستنكر. كما لا أستطيع أنْ أمرَّ بمشهدٍ من تلك المشاهد التي تُهيج في نفسي حزنًا شديدًا أو طربًا كثيرًا، فأملك نفسي عن محاولة الإفضاء بما تركه عندي من خيرٍ أو شرٍّ، وما أعلم أني كتبت كلمةً في شأن من الشئون إلا وكان بعض تلك المشاهد منشؤها في قلبي، فقد كنت رجلًا لا أحب الكذب ولا أحمل نفسي عليه ما وجدت منه بُدًّا، فأبغضت الكاذبين بُغْض الأرض للدم، فكان من همِّي أن أقاتلهم على الصدق قتالًا مستحرًّا حتى أصل بهم إلى إحدى الحسنيين: إما أن يكونوا صادقين، وإما أن يعلم الناس أنهم كاذبون.

وكنت إنسانًا بائسًا لم يترك الدهر سهمًا من سهامه النافذة لم يرمني به، ولا جرعةً من كئوس مصائبه ورزاياه لم يجرعني إياها، فقد ذقت الذل أحيانًا، والجوع أيامًا، والفقر أعوامًا، ولقيت من بأساء الحياة وضرائها ما لم يلق بشرٌ، فشعرت بمرارة الحياة في أفواه المساكين، ورأيت مواقع سهام الدهر في أكباد البائسين والمنكوبين، فكان من همِّي أنْ أَبْكِيَ كل بائسٍ، وأندب كل منكوبٍ، وأطلب رحمة القوي للضعيف، والغني للفقير، والعزيز للذليل.

وقدر لي فيما مَرَّ بي من أيام حياتي أن رأيت بعيني من وقفتْ بين يديه امرأةٌ ذليلةٌ تبكي وتضرع إليه أن يرضخ لها بقليلٍ من المال لتستعين به على ستر ما كشف ابنه من سوأة ابنتها، فأبى ذلك عليها، وقال لها وهو يحسب أنه يعلم ما يقول: «أيتها المرأة لا حق لابنتك عندي ولا عند ولدي، فلم يكن حظه منها فيما كان من أمرهما بأكبر من حظها منه!» ورأيت من تزوج فتاةً كان يمسك في نفسه لأهلها حقدًا قديمًا، فما دنا منها ليلة البناء بها حتى صدف عنها صارخًا: «أيها الناس: إنَّ الفتاة مريبةٌ.» وكان كاذبًا فيما يقول، ولكن صدقه الناس، فانتقم لنفسه بذلك شر انتقام وأقذعه.

ورأيت من دخلت إليه امرأةٌ من أولئك النساء المريبات تسأله بعض المعونة على أمرها، فأمر بطردها ذَهابًا بنفسه أنْ تسوء بمكانها، وكان هو الذي أفسدها على نفسها، فنزل بها فسادُها إلى هذه المنزلة من السقوط ثم الفقر، فلما جد الجد حاسبها على لقمةٍ تتذوقها في بيته، ولم يحاسب نفسه على عِرضٍ كان يأكله في بيتها أكلًا، فكان بي منذ ذلك العهد أنْ أنظر إلى المرأة بعينٍ غير التي ينظر بها الناس إليها، وأنْ ألتمس لها من العذر — وإن زلَّت بها قدمٌ — ما لا يلتمسه لها أحدٌ، وأنْ أنتصف لها من الرجل كلَّما وجدت السبيل إلى ذلك، حتى يُديل لها الله منه.

وكنت من شئون عيشي في حالةٍ لا أستطيع معها أنْ أعتزل الناس الاعتزال كله، ولا أنْ أختار لعشرتي من أشاء من خيارهم وذوي المروءة فيهم، فلبستهم على عِلَّاتهم، فما حفظ لي صديقٌ عهدًا، ولا صان لي صاحبٌ سرًّا، ولا استدنت مرةً فنفَّس عني دائنٌ، ولا دنت فوفى لي مدينٌ، ولا رد لي مستعيرٌ عاريةً، ولا شكر لي شاكرٌ صنيعةً، ولا فرَّج لي كربتي مفرجٌ إلا إذا استقطر ماء وجهي إلى القطرة الأخيرة منه؛ ليأخذ أكثر مما أعطى، ويسلب فوق ما وهب.

ووجدت في طريق حياتي من خالطني مخالطة الزائر للمزور، حتى أمكنته الفرصة فسرق مالي بعدما تحرَّم بطعامي وشرابي، ومن كان يتردد وجهه في وجهي فأكره أنْ أرده بالأمل الخائب، فلمَّا عجزت عن ذلك مرة أضمر لي في قلبه من الشر ما لا يضمر مثله الرجلُ إلا لمن يغلبه على تراث أبيه وأمه، أو يخضِّب لحيته من دم مَفرِقه، ومن نصب لي وغَرِيَ بمحادَّتي ومماظَّتي؛ لأنه كان يحمل في رأسه فتكةً لم يجد في طريقه من يحملها عنه ويستخذي له فيها سواي.

ومن أخذ نفسه بالنيل مني والغض من شأني؛ لأنه كان يشكو الخمول والضعة، وكان لا بد له من أن يكون نابهًا مذكورًا، فاتفق له أنْ رأى عاتقي بين يديه فظن أنه أعلى العواتق وأبعدها مذهبًا في جو السماء، فعلاه ليشرف منه على الناس فيعرفوا مكانه، فوالله ما تحلحلت ولا نبوت بقيًا عليه وضنًّا به أن يسقط سقطةً لا يئل منها. ومن كان لا يكبر شأني إلا إذا اتَّقاني، فإذا أضاء ما بيني وبينه كنت في عينه أصغر منه في عين نفسه، ومن كان يقبل ويدبر بإقبال الدهر عليَّ وإدباره عني، ثم لا يستحيي من ذلك حتى أستحيي له منه، فعركت بجنبي أكثر ما كرهت من ذلك، ولكنني لم أرضَ لنفسي أن أنزل في الغرارة والغفلة دون المنزلة التي ينخدع فيها الغر الكريم، فأصبح رأيي في الناس غيرَ رأيهم في أنفسهم ورأي بعضهم في بعض، وخفت أن يصيب كثيرًا من الضعفاء والمحدودين أمثالي مثل ما أصابني، فكان من همي أنْ أنبش دفائنهم، خيرًا كانت أو شرًّا، وأنْ أكشف أثوابهم عن أجسامهم، وأجسامهم عن نفوسهم، حتى يتراءوا ويتكاشفوا فيتواقوا ويتحاجزوا، فلا يهنأ خادع بخدعته، ولا يبكي مخدوعٌ على نكبته، ولا يتخذ بعضُهم حمرًا يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم.

وكان منشئي في قومٍ بداةٍ سذج، لا يبتغون بدينهم دينًا، ولا بوطنهم وطنًا، ثم ترامى بي الأمر بعد ذلك وتصرَّفت بي في العيش شئونٌ جمةٌ، فخضعت لكثيرٍ من أحكام الدهر وأقضيته، إلا أن أكون ملحدًا في ديني، أو زاريًا على وطني، فاستطعت — وقد غمر الناس ما غمرهم من هذه المدنية الغربية — أنْ أجلس ناحيةً منها وأنْ أنظر إليها من مرقبٍ عالٍ، وكنت أعلم أنَّ من أعجز العجز أنْ ينظر الرجل إلى الأمر نظرةً طائرةً حمقاء، فإمَّا أخذه كله وإما تركه كله، فرأيت حسناتِها وسيئاتِها، وفضائلَها ورذائلَها، وعرفت ما يجب أن يأخذ منها الآخذ وما يترك التارك، فكان من همِّي أنْ أحمل الناس من أمرها على ما أحمل عليه نفسي، وأنْ أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء تهالكهم لها، واستهتارهم بها، وسقوط نفوسهم أمام رذائلها ومخازيها، وإلحادها وزندقتها، وشحها وقسوتها، وشرهها وحرصها، وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه إذا حزبه الأمر في مناظرةٍ بينه وبين من يأخذه برذيلةٍ من الرذائل، لا يجد بين يديه ما ينضح به عن نفسه إلا أنْ يعتمد عليها في الاحتجاج على فعل ما فعل، أو ترك ما ترك، كأنما هي القانون الإلهي الذي تثوب إليه العقول عند اختلاف الأنظار، واضطراب الأفهام، أو القانون المنطقي الذي توزن به التصديقات والتصورات لمعرفة صوابها وخطئها وصحيحها وفاسدها، وحتى أصبح السيد في منزله يستحيي من خادمة مطبخه الأوروبية أنْ تطَّلع منه على جهلٍ ببعض عاداتها وعادات قومها — حتى في لُبس الرداء وخلع الحذاء — أكثر مما يستحيي من الله ومن الناس أنْ يهجموا منه على أرذل الرذائل وأكبر الكبائر، وحتى أصبح تاريخ المشرق وتاريخ علمائه وأدبائه وفلاسفته وشعرائه صورةٌ من أقبح الصور وأسمجها في نظر كثيرٍ من الشرقيين الذين أصبحوا يفخرون بجهل تاريخهم إن جهلوه، ويراءون بجهله إنْ علموه، وحتى قدر ذلك الغلام الرومي خادم الحان أو القهوة منفردًا على ما لم تقدر عليه الأمة جميعها مجتمعة، فحملها على النزول إليه لتحدثه بلغته، قبل أن تحمله على الصعود إليها ليحدثها بلغتها، وهو إلى أن يترضاها ويستدنيها أحوج منها إلى أن تزدلف إليه وتنزل على حكمه.

فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرًا هاهنا وهاهنا، قد شعر به قلبي ففاض به قلمي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي عنها، ولو كان بي أن أكذبهم لكذبتهم فيما يرضيهم، وما أعلم أني أتخطاهم به وأنال به الأثرة الخالدة في نفوسهم، ولو أردت ذلك منهم لما كان بيني وبين خاصتهم — إن أردت الخاصة — إلا ثلاث كلمات: السخرية بالأديان، واحتقار تاريخ المشرق، والقول بتبرج المرأة وسفورها، ولا كان بيني وبين عامتهم — إنْ أردت العامة — إلا ثلاثٌ أخرى: سب الكفار، وعبادة الأضرحة، والجمود على كل قديم.

وعندي أنَّ الكاتب المسخر الذي لا شأن له إلا أن يكتب ما يُفضي به الناس إليه، صانعٌ غير كاتب، ومترجمٌ غير قائل، ولا فرق بينه وبين صائغ الذهب وثاقب اللؤلؤ، كلاهما ينظم ما لا يملك، ويتصرف فيما لا شأن له فيه.

على أنَّ خير ما ينتفع به الأديب من أدبه أن يترك يوم وداعه لهذه الدنيا صفحةً يقرأ فيها الناظرون في تاريخه من بعده من أبنائه وشيعته وذوي رحمه صورةَ نفسه، ومضطربَ آماله، ومسرحَ أحلامه، فإذا كان كل شأنه في حياته أن يكون مرآةً تتقلَّب فيها مختلفات الصور، أو وفيعةً تتمسح بها أعواد الأقلام، كان خسرانه عظيمًا، لا يقوم به كلُّ ما يربح الرابحون من مالٍ أو يؤثِّلون من جاهٍ، والتاريخ أضن من أنْ يحفظ بين دفتيه من مجد الأدباء إلا مجد أولئك الذين يودعون نفوسهم صفحاتِ كتبهم، ثم يموتون وقد تركوها نقيةً بيضاء من بعدهم، وحياة الكاتب بحياة كتابته في نفوس قرَّائها، ولا تحيا كتابة كاتبٍ سيعلم الناس من أمره — بعد قليل — أنه يكذبهم عن نفسه وعن أنفسهم، وأنه رواغٌ متخلجٌ يأمرهم اليوم بما ينهاهم عنه غدًا، ويرى في ساعةٍ ما لا يرى في أخرى، وأنه يستبكي ولا يبكي، ويسترحم ولا يرحم، ويحرك النفوس وهو ساكنٌ، ويثير الثائرة وهو سالمٌ؛ فيستريبون به، ويحارون في مصادره وموارده، ثم يحملون أمره على شر حاليه، ثم ينقطع ما بينهم وبينه.

That’s the end of the free sample

Keep reading free — sign in

The author shares the whole book with signed-in readers. No password: we email you a sign-in link.